Physics educator | Simulation developer

هل يمكن أن يوجد الإلكترون في مكانين؟

إذا روقب الإلكترون، فإنه يتصرف كجسيم وبالتالي يدخل في أحد الشقين (أو لا يدخل بأي منهما). وإلا فإنه يتصرف كموجة تتداخل مع نفسها بعد اجتياز الشقين معًا! في كلتا الحالتين، لا يوجد الإلكترون في موقعين منفصلين معا.

لاحظت في الآونة الأخيرة موجة من الانتقاد – من قِبل متعالمين – لعلم الكلام وهو علم يعرف أيضا باسم علم التوحيد، وعلم أصول الدين، والفقه الأكبر، وهو أبرز العلوم الإسلامية الذي يهتم بمبحث العقائد الإسلامية وإثبات صحتها والدفاع عنها بالأدلة العقلية والنقلية، ويعنى بمعرفة الله تعالى والإيمان به، ومعرفة ما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه. والمنتقدون حسب ما ظهر من كلامهم يستندون إلى أن بعض نتائج العلوم التجريبية كميكانيك الكم تعارض بعض الحجج التي يقوم عليها علم الكلام.

وللتوضيح فإن ميكانيك الكم هي مجموعة من النظريات الفيزيائية ظهرت في القرن العشرين لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم. يعود تسميتها بميكانيك الكم إلى أهميّة الكم في بنائها (وهو مصطلح فيزيائي يستخدم لوصف أصغر كمّية من الطاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات، ويستخدم للإشارة إلى كميات الطاقة المحددة التي تنبعث بشكل متقطع، وليس بشكل مستمر).

من حجج هؤلاء المتعالمين القول بأن فيزياء الكم تثبت أن الإلكترون يمكن أن يوجد في مكانين مختلفين في وقت واحد. وقولهم هذا يدل على سطحية معرفتهم – بل عدم معرفتهم- بميكانيك الكم. أولا لا بد من التذكير بأن معظم علماء الكم مثل (نيلز بور) و(هيزنبرغ) وغيرهما ليسوا مسلمين، وبالتالي لا يحترزون – مثلنا – عن أن يأتوا بعبارات تناقض علم العقيدة حتى ما كان منها مبنيا على المسلَّمات عند جميع العقلاء. ثانيا، إذا سُئل أحد رواد ميكانيك الكم ماذا يعني أن الإلكترون يوجد في مكانين مختلفين في نفس الوقت؟ فسيجيبك بأن ذلك يعني أن (دالة الموجة) المتعلقة بالإلكترون تعطي أن احتمالية وجود الإلكترون في مكانين مختلفين ليست صفرا أي أن هنالك احتمالية أن يكون الإلكترون في المكان “أ” بنسبة ٥٠ في المائة مثلا واحتمالية ان يكون في المكان “ب” بنسبة ٥٠ في المائة. وهذه النسب الاحتمالية تأتي من (دالة الموجة) المتعلقة بالإلكترون. فإن قلت له إن كان الامر كذلك فليس معناه أن الإلكترون يسكن مكانين في وقت واحد، قد يقول لك هذا تعبير مجازي. مع العلم أنك إن طرحت السؤال على بعض علماء الكم قد يقول لك أن ميكانيك الكم لا تقول ذلك أصلا.

فالأمر إذن فيه نوع من التدليس الناتج عن الرغبة في إبهار الناس بعبارات تناقض العقل السليم، كما هو شأن من يتعاظم على الناس بما يظن أنه أدرك من عويصات العلوم ما ينفرد بمعرفته العباقرة أمثاله.

من يدرس ميكانيك الكم حق دراستها يعلم أن قولهم بكون الإلكترون في مكانين مختلفين، وأن الإلكترون عندما يُراقَب تنهار هذه الدالة لتعطي احتمال كون الإلكترون في مكان واحد فقط ما هو إلا مجرد معادلات رياضية تصف (دالة الاحتماليات) التي مرَّ ذكرها. فنستطيع أن نقول إن الإلكترون يتصرف (وكأنه) جزئيا في مكانين مختلفين بنسب احتمالات مختلفة إلى أن يأتي مراقب ويراقبه فيظهر في مكان واحد. وهنا تظهر إشكالية أخرى وهو أنه حسب تعليل مدرسة كوبنهاغن للكم فان الإلكترون لا يكون على وجه التحديد في أي من المكانين حتى يأتي مراقب ويراه وهذا أدى ببعض علماء الكم إلى ادعاء أن الأشياء لا توجد حقيقة حتى يأتي مراقب ويراقبها، ومنهم من وصلت به السفسطة إلى القول بان (الماضيَ) لم يوجد قبل وجود (الوعي) الذي راقب الحاضر، وهذه سفسطة يعارضها غيرهم من علماء ميكانيك الكم.

فهذه الأمور تعتبر من فلسفة ميكانيك الكم وهي أمور فيها خلاف ونقاش بين علماء الكم وليست أمورا مسلّمة عندهم، فكيف يظن من قرأ كتابا او كتابين من (كتب الفيزياء لغير الفيزيائيين) أنه فَهم ما لم يفهمه غيره من علماء الكلام والمنطق ويأتي يتفيهق على مسامع الناس بما أوصله إليه فهمه؟

فالجدير بالذكر في هذا الموضع أن المتفق عليه بين علماء الكم أن ميكانيك الكم هي خوارزمية (أي مجموعة خطوات رياضية مرتبة) لحل المسائل المتعلقة بالجزيئات وأنها تعطي النتائج الحسابية الموافقة لتجارب علمية معارضة للبديهة في بعض الأحيان، أما معرفة سبب تصرف ما في الكون من الجزيئات بهذه الطريقة (مثلا لماذا يتصرف الإلكترون وكأنه في مكانين مختلفين في نفس الوقت)، فإنه مما لم يقدر علماء الفيزياء أن يفهموه فضلا عن أن يوضحوه، بل إن بعضهم يعتبر هذا خارج اختصاص الفيزياء.

الخلاصة أنه من الخطر إهمال المقدمات والبراهين المنطقية الثابتة غير القابلة للتغير التي اعتُمدت في علم الكلام والمعتمدة على استعمال العقل السليم، والتي بني عليها ايضا علم الرياضيات والذي بدورها بنيت عليه الفيزياء واستبدالها بسفسطة مناقضة للعقل السليم نتجت عن تفسير غير مجمع عليه من قِبَل بعض علماء الفيزياء لنظريات قابلة للتغير.

وقد كتبت هذا المقال المختصر لضرورة الرد على هؤلاء المتعالمين الذين ظنوا أنهم فهموا ما لم يفهمه غيرهم. وعسى هذا المقال أن يكون نواة لمقال أوسع يشمل النُّقول من كتب علماء الفيزياء مع ذكر المراجع إن وفقني الله تعالى لذلك.

والله أعلم

فريد مناوي ١٠ – ٨ – ٢٠١٨

Leave a Comment

Your email address will not be published.

3 + nineteen =