التفكير خارج الصندوق وضوابطه

Out-of-the-box-thinking

التفكير خارج الصندوق (مقابل التفكير المعلّب)، هو استعارة تعني التفكير بشكل مختلف أو غير تقليدي أو من منظور جديد. غالبًا ما تشير هذه العبارة إلى التفكير الجديد أو الإبداعي.

أذكر حين كنت في المدرسة أنني كثيرا ما كنت أحل المسائل بطرق تختلف عن تلك التي يلقنها الأستاذ للصف. وقد كان الأساتذة يشجعونني ويثنون علي، فيما قليل منهم كان يبدي الانزعاج لأنني كنت أحيد بسياق تدريسه إلى منحى غير الذي رسمه للدرس.

وحين صرت أستاذا جعلت مهمة حث التلاميذ على التفكير بطرق جديدة ومن زوايا مختلفة لحل المسائل من أهم أهدافي التربوية. وقد صادفت متاعب في عدد من المدارس حيث أنني عملت في تعليم تلاميذ شباب قضوا سنواتهم في الدراسة بطريقة التلقين ودراسة حل المسائل بطريقة نمطية وتعودوا على ذلك، بينما كنت أحاول تعليمهم طريقة تفكير وليس فقط طريقة حل سؤال كذا إذا جاء كذا..

من أسباب كتابة هذا المقال الصغير هو حال الشباب وابتعادهم عن القراءة وإعمال الفكر وإضاعتهم للوقت وانحيازهم لسلوك المسارات الحياتية السهلة، وما لذلك من خطورة على مستقبل الأمة حيث ينضب النتاج العلمي والفكري (الذي هو أصلا في حالة مزرية حاضرا)، وأملي أن أساهم ولو مثقال ذرة في كسر القيود النمطية التي تكبّل انطلاقة فكر شبابي منتج. فلطالما كنا مجتمعات مستهلكة حتى في الفكر والعلم والمعرفة.

نقاشي في هذا المقال هو في الضوابط التي يجب على الشباب تطبيقها إذا انتهجوا التفكير خارج الصندوق، حيث أن كل فن له ضوابط إن لم تُتبع لأصبح الفكر شاذاً.

وهي ثلاثة ضوابط، مع العلم أنني ربما قد غفلت عن ضوابط أخرى قد ينبهني القارئ إليها مشكورا:

أولا: الضابط المنطقي العقلي، حيث نخضع تفكيرنا ومقاربتنا المسائل للمنطق السليم، وإلا سلكنا طريق التناقض والسفسطة.

ثانيا: الضابط الديني إن لم نكن نريد سلوك طريق الإلحاد، حيث نخضع تفكيرنا ومقاربتنا للأمور لميزان الشرع.

ثالثا: الضابط الأخلاقي، حيث نخضع أفكارنا للوازع الأخلاقي والإنساني، وإلا سلكنا طريق الانحلال الأخلاقي والاجتماعي.

من نماذج التفكير خارج الصندوق المشهورة والتي كان لها تأثير هائل على حياة البشرية، فكرة الجاذبية لإسحاق نيوتن والتي وحّدت القوانين التي تحكم حركة الأجرام السماوية والأجسام الأرضية على حد سواء. وقبله غاليليو غاليلي الذي أثبت أن الأرض تدور حول الشمس مع كواكب أخرى معارضا بذلك الاعتقاد الشائع بأن الأرض ثابتة مما عرّضه للمحاكمة. والعالم المتميز آلبرت أينشتاين ونظريتيه النسبية الخاصة والنسبية العامة والتي لم يهضمهما معاصروه من الفيزيائيين، ولم ينل جائزة نوبل عليهما وإنما على عمل ثانوي هو تفسير التأثير الكهرضوئي. وماكس بلانك في طرحه لفكرته الكمومية حيث افترض أن الطاقة تُتبادل بكميات متقطعة متناهية في الصغر في زمن كان يعتقد معظم الفيزيائيين أن علم الفيزياء اكتمل ولم يبق شيء لاكتشافه. وأيضا نموذج نيلز بور للذرة وهو نموذج ثوري بالنسبة لفيزيائيي زمانه والذي افترض فيه أن كمية الحركة الدورانية للإلكترون حول نواة الذرة هي ذات مقادير محددة متقطعة، مما فتح الباب على مصراعيه لعلم جديد وهو الفيزياء الذرية. والأمثلة كثيرة.

أما التفكير خارج الصندوق من دون أحد تلك الضوابط المذكورة، فأوضح مثال هو ما تتضمنه نظرية التطور لشارلز داروين من أن الإنسان تطور من سَلَفٍ بدائي شبيه بالقرد. فهي أولا نظرية وليست حقيقة علمية مثبتة، وهنالك نقد لها في الأوساط العلمية. أما من الناحية الدينية فهي تخرق الضابط الديني لمعارضتها الإيمان بخالق قدير مبدع خلق الإنسان في أحسن تقويم {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} صدق الله العظيم. وكذلك فكرة نشوء الكون لوحده بدون الحاجة إلى خالق أنشأه. فبالإضافة إلى معارضة هذه الفكرة للبراهين العقلية المعتمدة للاستدلال على وجوب وجود خالق للكون، فقد نالت الكثير من النقد العلمي والمعارضة في أوساط الفيزيائيين.
وفي النهاية، فالضوابط ليست لإعاقة التقدم الفكري، وإنما لكي يكون الفكر بنّاء.

Similar Posts

  • العقل السليم ≠ Common Sense

    في الكتب العلمية المترجمة إلى العربية، تُترجم عبارة “common sense” خطأً إلى “العقل السليم” أو “المنطق السليم”، مما ينشئ تناقضاً منطقياً خطيراً. فالمصطلح الإنكليزي يشير إلى الحدس اليومي والتصورات البديهية، بينما “العقل السليم” بالعربية يعني الاستدلال المنطقي الصارم. عندما نقرأ أن ميكانيك الكم “يناقض العقل السليم”، يبدو وكأن الفيزياء الحديثة تتعارض مع المنطق ذاته، بينما الحقيقة أنها تتعارض فقط مع حدسنا المبني على خبرتنا اليومية. هذه المغالطة الترجمية قوّضت صورة الفيزياء في الثقافة العربية وأضعفت الثقة بالعلم الحديث.

  • |

    Newton’s first law demonstration

    Newton’s first law states that when net force is zero, objects at rest remain at rest and objects in motion continue at constant velocity. This experiment uses an air cushion scooter to eliminate friction, demonstrating that with zero net force (weight balanced by track reaction), the scooter remains stationary when at rest and continues moving at constant speed when given an initial push, until an external force stops it.

  • خطورة هدم المبادئ العقلية

    تحليل فلسفي عميق لأهمية المبادئ العقلية الأساسية كمبدأ الهُوية ومبدأ منع التناقض في صيانة العلوم من الهدم. يوضح المقال كيف أن هذه البديهيات المنطقية هي أساس الرياضيات والفيزياء، ويناقش بعض التفسيرات لميكانيك الكم التي تبدو مناقضة لهذه المبادئ كتجربة قطة شرودنغر وتجربة الشق المزدوج، مع توضيح خطورة محاولات هدم هذه الأسس العقلية.

  • |

    Verifying Newton’s second law

    This zero-gravity experiment aboard a space shuttle demonstrates Newton’s second law. With no gravitational force, an astronaut applies the same force to balls of different masses. The lighter ball accelerates more than the heavier one, proving the inverse relationship between mass and acceleration when force is constant (F=ma). A perfect demonstration of fundamental physics principles in microgravity conditions.

One Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *