Physics educator | Simulation developer

ضوابط التفكير خارج الصندوق

Out-of-the-box-thinking

التفكير خارج الصندوق (مقابل التفكير المعلّب)، هو استعارة تعني التفكير بشكل مختلف أو غير تقليدي أو من منظور جديد. غالبًا ما تشير هذه العبارة إلى التفكير الجديد أو الإبداعي.

أذكر حين كنت في المدرسة أنني كثيرا ما كنت أحل المسائل بطرق تختلف عن تلك التي يلقنها الأستاذ للصف. وقد كان الأساتذة يشجعونني ويثنون علي، فيما قليل منهم كان يبدي الانزعاج لأنني كنت أحيد بسياق تدريسه إلى منحى غير الذي رسمه للدرس.

وحين صرت أستاذا جعلت مهمة حث التلاميذ على التفكير بطرق جديدة ومن زوايا مختلفة لحل المسائل من أهم أهدافي التربوية. وقد صادفت متاعب في عدد من المدارس حيث أنني عملت في تعليم تلاميذ شباب قضوا سنواتهم في الدراسة بطريقة التلقين ودراسة حل المسائل بطريقة نمطية وتعودوا على ذلك، بينما كنت أحاول تعليمهم طريقة تفكير وليس فقط طريقة حل سؤال كذا إذا جاء كذا..

من أسباب كتابة هذا المقال الصغير هو حال الشباب وابتعادهم عن القراءة وإعمال الفكر وإضاعتهم للوقت وانحيازهم لسلوك المسارات الحياتية السهلة، وما لذلك من خطورة على مستقبل الأمة حيث ينضب النتاج العلمي والفكري (الذي هو أصلا في حالة مزرية حاضرا)، وأملي أن أساهم ولو مثقال ذرة في كسر القيود النمطية التي تكبّل انطلاقة فكر شبابي منتج. فلطالما كنا مجتمعات مستهلكة حتى في الفكر والعلم والمعرفة.

نقاشي في هذا المقال هو في الضوابط التي يجب على الشباب تطبيقها إذا انتهجوا التفكير خارج الصندوق، حيث أن كل فن له ضوابط إن لم تُتبع لأصبح الفكر شاذاً.

وهي ثلاثة ضوابط، مع العلم أنني ربما قد غفلت عن ضوابط أخرى قد ينبهني القارئ إليها مشكورا:

أولا: الضابط المنطقي العقلي، حيث نخضع تفكيرنا ومقاربتنا المسائل للمنطق السليم، وإلا سلكنا طريق التناقض والسفسطة.

ثانيا: الضابط الديني، حيث نخضع تفكيرنا ومقاربتنا للأمور لميزان الشرع الحنيف، وإلا لسلكنا طريق الإلحاد.

ثالثا: الضابط الأخلاقي، حيث نخضع أفكارنا للوازع الأخلاقي والإنساني، وإلا سلكنا طريق الانحلال الأخلاقي والاجتماعي. وإفرادي لهذا الضابط هو للتوكيد والتنبيه، وإلا فهو يندرج تلقائيا ضمن الضابط الديني ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق).

من نماذج التفكير خارج الصندوق المشهورة والتي كان لها تأثير هائل على حياة البشرية، فكرة الجاذبية لإسحاق نيوتن والتي وحّدت القوانين التي تحكم حركة الأجرام السماوية والأجسام الأرضية على حد سواء. وقبله غاليليو غاليلي الذي أثبت أن الأرض تدور حول الشمس مع كواكب أخرى معارضا بذلك الاعتقاد الشائع بأن الأرض ثابتة مما عرّضه للمحاكمة. والعالم المتميز آلبرت أينشتاين ونظريتيه النسبية الخاصة والنسبية العامة والتي لم يهضمهما معاصروه من الفيزيائيين، ولم ينل جائزة نوبل عليهما وإنما على عمل ثانوي هو تفسير التأثير الكهرضوئي. وماكس بلانك في طرحه لفكرته الكمومية حيث افترض أن الطاقة تُتبادل بكميات متقطعة متناهية في الصغر في زمن كان يعتقد معظم الفيزيائيين أن علم الفيزياء اكتمل ولم يبق شيء لاكتشافه. وأيضا نموذج نيلز بور للذرة وهو نموذج ثوري بالنسبة لفيزيائيي زمانه والذي افترض فيه أن كمية الحركة الدورانية للإلكترون حول نواة الذرة هي ذات مقادير محددة متقطعة، مما فتح الباب على مصراعيه لعلم جديد وهو الفيزياء الذرية. والأمثلة كثيرة.

أما التفكير خارج الصندوق من دون أحد تلك الضوابط المذكورة، فأوضح مثال هو نظرية التطور لشارلز داروين. فباعتراف علماء بارزين معتنقين لهذه النظرية، هنالك ثغرات علمية فيها. والأهم من هذا، فبالنسبة لنا فهي مرفوضة تماما لتكذيبها آيات قرآنية كقوله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} صدق الله العظيم. وكذلك فكرة نشوء الكون لوحده بدون الحاجة إلى خالق أنشأه. فبالإضافة إلى رفضنا لها انطلاقا من إيماننا القائم على براهين عقلية، قد أثبت العديد من الفيزيائيين أن هذه الفكرة فيها ما فيها من الثغرات والتناقض ومنهم من كان ملحدا وترك إلحاده. وبما أن المقال ليس في الرد على الأفكار الإلحادية بالبراهين العلمية والعقلية، سأترك للقارئ المهتم مهمة هذا البحث ليجد الكثير من الباحثين والعلماء الذين أوفوا بهذه المهمة.

Leave a Comment

Your email address will not be published.

6 − one =