العقل السليم ≠ Common Sense
مغالطة ترجمية قوّضت صورة الفيزياء في الثقافة العربية:
العقل السليم ≠ Common Sense

في الكتب العلمية المترجمة من الإنكليزية إلى العربية، قد نجد عبارات متكررة عن أن بعض أفكار النسبية الخاصة أو العامة “تتعارض مع العقل السليم”، أو أن بعض أفكار ميكانيك الكم “تناقض المنطق السليم”، أو أن الفيزياء الحديثة “تتحدى العقل السليم”. هذه العبارات، التي أصبحت شائعة في الأدبيات العلمية العربية، تخفي وراءها مغالطة ترجمية لها عواقب معرفية وثقافية كارثية على فهمنا للعلم ومنهجه.
تكمن جذور المغالطة في خطأ ترجميّ. فالمشكلة تكمن في ترجمة المصطلح الإنكليزي “common sense” إلى “العقل السليم” أو “المنطق السليم”. هذه الترجمة، رغم شيوعها، تمثل تشويهاً جوهرياً للمعنى المقصود. ففي اللغة الإنكليزية، يشير مصطلح “common sense” إلى الحدس الشائع أو التصورات البديهية المبنية على الخبرة اليومية المباشرة، أي ما يبدو واضحاً ومنطقياً لمعظم الناس بناءً على تجربتهم الحسية المحدودة بالعالم الماكروسكوبي (عالم الأشياء ذات الأبعاد الكبيرة نسبياً وهو مقابل العالم الميكروسكوبي، أي عالم الأشياء البالغة الصغر كالذرّة) البطيء الذي نعيش فيه.
أما “العقل السليم” و”المنطق السليم” في اللغة العربية فيشيران إلى شيء مختلف تماماً، وهو القدرة على الاستدلال المنطقي الصحيح والتفكير العقلاني المبني على قواعد المنطق الصارمة. المقابل الإنكليزي الدقيق لهذين المصطلحين هو “sound reasoning” أو “sound logic” أو “rational thinking”، وليس “common sense” على الإطلاق.
الفرق بين المصطلحين جوهري وليس لفظياً فحسب. فالحدس الشائع يعتمد على الحدس والخبرة الجماعية والأعراف الاجتماعية، بينما العقل السليم يعتمد على القواعد المنطقية والاستدلال الصارم بغض النظر عن مدى شيوعه أو تقبله الحدسي.
النتيجة هي تناقض منطقي كارثي. فعندما نترجم عبارة “Quantum mechanics defies common sense” إلى “ميكانيك الكم يتعارض مع العقل السليم”، فإننا لا نرتكب خطأً لغوياً بسيطاً فحسب، بل ننشئ تناقضاً منطقياً كارثياً يزعزع أُسس العلم نفسه.
الفيزياء الحديثة، بكل نظرياتها المتقدمة، مبنية على الرياضيات. والرياضيات بدورها مبنية على أسس منطقية صارمة، أي على استخدام العقل السليم والمنطق السليم. فالبراهين الرياضية التي تدعم النسبية وميكانيك الكم هي براهين منطقية مُحكَمة، تتّبع قواعد الاستدلال المنطقي خطوة بخطوة، دون أي قفزات أو مغالطات.
فكيف يمكن للفيزياء أن تناقض العقل السليم، وهي مبنية عليه؟ فذلك كالذي يشيد بناء ثم يهدم أساسه، وهو تناقض ذاتي لا يمكن قبوله. لا يمكن بناء صرح علمي على أساس يناقض نفسه، ولا يمكن للرياضيات أن تثبت شيئاً يتعارض مع المنطق الذي بُنيت عليه.
الحقيقة أن النسبية وميكانيك الكم لا يناقضان العقل السليم أو المنطق السليم. بل على العكس، هذه النظريات هي نتاج استخدام العقل السليم والمنطق الصارم في تفسير الظواهر الطبيعية. ما تناقضه هذه النظريات فعلاً هو الحدس اليومي أو التصورات البديهية المبنية على خبرتنا الحسية المحدودة.
صحيح أن بعض التفسيرات الفلسفية لميكانيك الكم تبدو غير منطقية أو متناقضة مع المنطق السليم، لكن هذه تفسيرات فلسفية قدّمها بعض الفيزيائيين في محاولة لتعليل بعض مقتضيات هذه النظريات، وليست النظرية الرياضية الصارمة ذاتها. فالفرق بين المعادلات الرياضية المحكمة وبين محاولات تفسيرها فلسفياً هو فرق جوهري.
نحن كبشر نعيش في عالم ماكروسكوبي، نتحرك بسرعات بطيئة جداً مقارنة بسرعة الضوء، ونتعامل مع أجسام كبيرة نسبياً مقارنة بالذرات والجسيمات دون الذرية. لذلك، فإن خبرتنا اليومية شكّلت حدسنا وتوقعاتنا حول كيفية عمل الطبيعة. من ناحية أخرى، فإن استعمال هذا الحدس عند السرعات القريبة من سرعة الضوء أو الأجسام بالغة الضخامة أو الأجسام ما دون الذرة لم يعد صالحاً.
الترجمة الصحيحة لعبارة “defies common sense” في السياق العلمي يجب أن تكون “يتعارض مع الحدس اليومي” أو “يناقض تصورات اعتُبرت بديهية”، وليس “يناقض العقل السليم”.
هذه المغالطة أنتجت عواقب معرفية وثقافية كارثية في الثقافة العربية. فعندما يقرأ الطالب أو القارئ العربي أن الفيزياء الحديثة “تناقض العقل السليم”، فإنه قد يستنتج أن هذه النظريات لا عقلانية، وأن العلم الحديث يتطلّب أن نتخلى عن المنطق لنقبله، مما ينشئ عدة مشاكل:
أولاً، يُضعف الثقة بالعلم والمنهج العلمي، إذ يبدو العلم وكأنه يقتضي اعتماد نظريات “لا منطقية”.
ثانياً، قد يدفع إلى رفض النظريات العلمية بحجة أنها “مخالفة للعقل”، مما يفتح الباب واسعاً أمام الخرافة، أو يقبل النظريات العلمية مقابل أن يقلل من قيمة الاستدلال العقلي والمنطق.
ثالثاً، ينشئ حاجزاً نفسياً بين الدارس والمادة العلمية، إذ يشعر أن عليه تقبّل شيء “ضد العقل”.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه المغالطة تساهم في تعميق الفجوة بين الثقافة العلمية والثقافة الإنسانية في العالم العربي، حيث يُنظر إلى العلم على أنه مجال منفصل عن العقلانية والمنطق، في حين أن العلم هو تطبيق سامٍ للعقل السليم في فهم الطبيعة.
في الختام، يجب تصحيح هذه المغالطة في المراجع والكتب العلمية العربية. فالعلم الحديث، بكل نظرياته المتقدمة، لا يناقض العقل السليم، بل هو نتاجه السامي. النسبية وميكانيك الكم هما أمثلة بارزة على قوة العقل البشري في تجاوز حدود الحدس اليومي للوصول إلى حقائق أعمق عن الكون، باستخدام المنطق الصارم والاستدلال الرياضي المُحكَم.
عندما نفهم أن هذه النظريات تتعارض مع حدسنا اليومي فقط وليس مع المنطق، سنتمكن من تقديرها حق قدرها، وسنزيل الحاجز النفسي الذي يمنع الكثيرين من فهمها وتقدير جمالها.